الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
110
نفحات القرآن
صريحة جليّة فلا مجال للاستنباطات النظرية التي هي منشأ الاختلافات في أحكام القضاء . ومن الجدير بالذكر أنّ كلمتي « إلينا » و « علينا » اللتين وردتا في : « انَّ الَينَا ايابَهُم » « ثُمَّ انَّ عَلَينَا حِسَابَهُم » ، خبر مقدّم تفيدان الحصر ، أي رجوعهم إلينا وحدنا ، وسيكون حسابهم علينا فقط ، وبهذا الترتيب فإنّ هذا ينفي جميع الاحتمالات والإشكالات الأخرى ، على أيّة حال فإنّ هذا وعيد للكفّار والمجرمين الذين أعرضوا عن آيات الحق ، وقد أشارت إلى هذا المعنى الآيات التي تسبق هذه الآية . ويمكن أن تكون هذه الآيات بشرى لأولياء اللَّه الذين يعلمون بأنّ حسابهم على اللَّه وسوف يرجعون إلى محبوب قلوبهم فيجزيهم الجزاء الأوفى ، وإن كان عندهم زلل أو خطأ فهو يغفره لهم بلطفه وكرمه ، وهناك نكتة أخرى جديرة بالاهتمام حيث ورد في بعض الروايات والزيارات أنّ إياب الخلق وحسابهم على علي عليه السلام والأئمّة المعصومين عليهم السلام ، ولقد انتقد هذا الاعتقاد بعض مفسّري أهل السنّة مثل الآلوسي في روح البيان حيث قال إنّ هذا الكلام يتنافى مع ما ورد في الآيات أعلاه . في حين نحن نعلم بأنّ الإمام علياً والأئمّة المعصومين عليهم السلام كلّهم مطبّقون لأوامر اللَّه وأحكامه ، وبناءً على ذلك يصبح حسابهم هو حساب اللَّه تعالى وحكمهم كحكم الأعمال التي تقوم بها الملائكة في عالم « التكوين » و « التشريع » وتُنسب جميع هذه الأعمال إلى اللَّه سبحانه وتعالى لحكم حصولها بأمره ، وفي نفس الوقت تُنسب إلى الملائكة أيضاً . وهناك شبهة أخرى مشهورة طرحها هؤلاء في هذا الصدد وهذه الشبهة هي « مابالعرض » و « ما بالذات » ، وبتعبير أوضح أنّه لا أحد يزعم بأنّ حساب الخلائق وإيابها ينسب إلى علي والأئمّة عليهم السلام بصورة مستقلة ، بل إنّ الكل يقول إنّ هذا الفعل بذاته يختص باللَّه وينسب بالواسطة إلى علي عليه السلام والأئمّة عليهم السلام ، وهذه المسألة لا تختلف عن مسألة الشفاعة وعلم الغيب وغيرها من المسائل ، فجميع هذه الأمور تُنسب بالذات إلى اللَّه تعالى وتُنسب بالعرض للأنبياء والأوصياء والملائكة .